محمود توفيق محمد سعد

305

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

في تبيان منهاج " البقاعي " في تحقيق وتحرير القول في هذا بما يكشف عن بعض من معالم الإعجاز البيان للقرآن الكريم * * * يتدبر البقاعي " المضارع " في أوّل سورة البقرة : ألم * ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ فيقول : ثم وصفهم بمجامع الأعمال تعريفا لهم ، فقال : " الذين يؤمنون بالغيب " . . . " ويقيمون الصلاة " . . . " ومما رزقناهم ينفقون " . . . والمراد بهذه الأفعال هنا إيجاد حقائقهم على الدوام . قال " أبو حيان " وغيره في قوله عزّ وجلّ في سورة " الحج " : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ المضارع قد لا يلحظ فيه زمان معين من حال أو استقبال ، فيدل إذ ذاك على الاستمرار . انتهى . وهذا مما لا محيد عنه ، وإلا لم يشمل هذا في هذه السورة " المدنية " من تخلق به قبل الهجرة ، وقوله سبحانه وتعالى : قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( البقرة : من الآية 91 ) قاطع في ذلك . " « 1 » المضارع في هذه الأفعال ملحوظ فيه معنى الحصول بعد أن لم يكن ، ولذلك يشمل كل من وقع منه الفعل من قبل نزول الآية المدنية ، وكل من يقع أو سيقع منه حتى قيام الساعة ، ولم يؤت به وصفا ، ( المؤمنون - المقيمون - المنفقون ) لإرادة الدلالة على التجدد الذي هو من خصائص الأفعال . والسياق سياق إبانة عمن يكون القرآن الكريم نافعا لهم ، وهم المتقون صراط المغضوب عليهم وصراط الضالين وهؤلاء المتقون غير مقيد وجودهم بزمان معين فهذه الأفعال واقعة في كل زمان يكون فيه المتقون ، فكان الآنس به أن يأتي المضارع ليدل على ذلك الاستمرار ، ولم يأت الماضي حتى لا يتوهم أنّ هذا خاص بمن وقعت منهم تلك الأفعال ، أما غيرهم فلا ، أو هم من دونهم في اتقاء صراط المغضوب عليهم وصراط الضّالين ومن دونهم في الهداية بالقرآن الكريم ، وذلك ما لا يتناسب مع القصد الذي ترمى إليه الآيات في مستهل سورة " البقرة " . * * * أما المضارع في قول اللّه سبحانه وتعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ

--> ( 1 ) - نظم الدرر : 1 / 82 - 83